ابو القاسم عبد الكريم القشيري

403

لطائف الإشارات

علم الحقّ - سبحانه - أنّ الأصنام لا تغنى ولا تنفع ولا تضر ، ولكن يعرّفهم في العاقبة بما يصيّر معارفهم ضرورية « 1 » حسما لأوهام القوم ؛ حيث توهموا أنّ عبادتهم للأصنام فيها نوع تقرب إلى اللّه على وجه التعظيم له كما قالوا : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » « 2 » . فإذا تحققوا بذلك صدقوا في الندم ، وكان استيلاء الحسرة عليهم ، وذلك من أشد العقوبات لهم . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 53 ] وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 ) إذا صارت الأوهام منقطعة ، والمعارف ضرورية ، والنار معاينة استيقنوا أنهم واقعون في النار ، فلا يسمع لهم عذر ، ولا تنفع لهم حيلة ، ولا تقبل فيهم شفاعة ، ولا يؤخذ منهم فداء ولا عدل . . لقد استمكنت الخيبة ، وغلب اليأس ، وحصل القنوط ، وهذا هو العذاب الأكبر . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 54 ] وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ( 54 ) أوضح للكافة الحجج ، ولكن لبّس على قوم النهج فوقعوا في العوج . « وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا » الجدل في اللّه محمود مع أعدائه ، والجدل مع اللّه شرك لأنه صرف إلى مخالفة توهم أن أحدا يعارض التقدير ، وتجويز ذلك انسلاخ

--> ( 1 ) المعارف إما ضرورية أو كسبية ، والضرورية من الحق ، والكسبية من الخلق . ( 2 ) آية 3 سورة الزمر .